محمد بن جرير الطبري

14

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

من الأنبياء والرسل ، فأراه ما أراه من الآيات ؛ ولا معنى لقول من قال : أسرى بروحه دون جسده ، لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون ذلك دليلا على نبوته ، ولا حجة له على رسالته ، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك ، وكانوا يدفعون به عن صدقه فيه ، إذ لم يكن منكرا عندهم ، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة ، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل ؟ وبعد ، فإن الله إنما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده ، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده ، وليس جائزا لأحد أن يتعدى ما قال الله إلى غيره . فإن ظن ظان أن ذلك جائز ، إذ كانت العرب تفعل ذلك في كلامها ، كما قال قائلهم : حسبت بغام راحلتي عناقا * وما هي ويب غيرك بالعناق يعني : حسبت بغام راحلتي صوت عناق ، فحذف الصوت واكتفى منه بالعناق ، فإن العرب تفعل ذلك فيما كان مفهوما مراد المتكلم منهم به من الكلام . فأما فيما لا دلالة عليه إلا بظهوره ، ولا يوصل إلى معرفة مراد المتكلم إلا ببيانه ، فإنها لا تحذف ذلك ؛ ولا دلالة تدل على أن مراد الله من قوله : أَسْرى بِعَبْدِهِ أسرى بروح عبده ، بل الأدلة الواضحة ، والأخبار المتتابعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله أسرى به على دابة يقال لها البراق ؛ ولو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق ، إذ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجسام . إلا أن يقول قائل : إن معنى قولنا : أسرى بروحه : رأى في المنام أنه أسرى بجسده على البراق ، فيكذب حينئذ بمعنى الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن جبرئيل حمله على البراق ، لأن ذلك إذا كان مناما على قول قائل هذا القول ، ولم تكن الروح عنده مما تركب الدواب ، ولم يحمل على البراق جسم النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على قوله حمل على البراق لا جسمه ، ولا شيء منه ، وصار الأمر عنده كبعض أحلام النائمين ، وذلك دفع لظاهر التنزيل ، وما تتابعت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجاءت به الآثار عن الأئمة من الصحابة والتابعين . وقوله : الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ يقول تعالى ذكره : الذي جعلنا حوله البركة لسكانه في معايشهم وأمواتهم وحروثهم وغروسهم . وقوله : لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا يقول تعالى ذكره : كي نري عبدنا محمدا من آياتنا ، يقول : من عبرنا وأدلتنا وحججنا ، وذلك هوما قد ذكرت في الأخبار التي رويتها آنفا ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أريه في طريقه إلى بيت المقدس ، وبعد مصيره إليه من عجائب العبر والمواعظ . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا ما أراه الله من الآيات والعبر في طريق بيت المقدس . وقوله : إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ يقول تعالى ذكره : إن الذي أسرى بعبده هو السميع لما يقول هؤلاء المشركون من أهل مكة في مسرى محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس ، ولغير ذلك من قولهم وقول غيرهم ، البصير بما يعملون من الأعمال ، لا يخفى عليه شيء من ذلك ، ولا يعزب عنه علم شيء منه ، بل هو محيط بجميعه علما ، ومحصيه عددا ، وهو لهم بالمرصاد ، ليجزي جميعهم بما هم أهله . وكان بعض البصريين يقول : كسرت " إن " من قوله : إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لأن معنى الكلام : قل يا محمد : سبحان الذي أسرى بعبده ، وقل : إنه هو السميع البصير . القول في تأويل قوله تعالى : وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي يقول تعالى ذكره : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا وآتى موسى الكتاب ، ورد الكلام إلى وَآتَيْنا وقد ابتدأ بقوله أسرى لما قد ذكرنا قبل فيما مضى من فعل العرب في نظائر ذلك من ابتداء الخبر بالخبر عن الغائب ، ثم الرجوع إلى الخطاب وأشباهه .